|
يقول جل وعلا ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ البقرة 197 فما المقصود بالتقوى؟ فالتقوى: هى امتثال الأوامر واجتناب النواهى. قال الشيخ ذو النون رحمة الله عليه: ما خلع الله على عبدٍ من عبيده خلعةً أحسن من العقل، ولا قلده قلادةً أجمل من العلم، ولا زينه بزينةٍ أفضل من الحلم، وكمال ذلك التقوى.
فعن سيدنا
أبى
هريرة
قيلَ لأَبِى
هُرَيْرَةَ
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ مُدْرِكُهُ وَالْقَبْرَ مَسْكَنُهُ وَالْبَعْثَ مُخْرِجُهُ وَأَنَّهُ بَيْنَ جَنَّاتٍ سَتُبْهِجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ نَارٍ سَتُنْضِجُهُ فَكُلُّ شَىء سِوَى التَّقْوَى بِهِ سَمْجٌ وَمَا أَقَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ أَسْمَجُهُ تَرَى الَّذِى اتَّخَذَ الدُّنْيَا لَهُ لَمْ يَدْرِ أَنَّ الْمَنَايَا سَوْفَ تُزْعِجُهُ
وَلِذَلِكَ نَدَبَ اللهُ
تَعَالَى
إلَى التَّعَاوُنِ بِهِ وَقَرَنَهُ بِالتَّقْوَى لَهُ فَقَالَ
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾
المائدة 2،
لأَنَّ فِى التَّقْوَى رِضَى اللهِ تَعَالَى، وَفِى الْبِرِّ رِضَى
النَّاسِ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ رِضَى اللهِ تَعَالَى وَرِضَى النَّاسِ
فَقَدْ تَمَّتْ سَعَادَتُهُ وَعَمَّتْ نِعْمَتُهُ، وأَنْشَدَ بَعْضُ
أَهْلِ الْأَدَبِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ للإمَام ِعَلِى بْنِ أَبِى طَالِبٍ
أَفَادَتْنِى الْقَنَاعَةُ كُلَّ عِزٍّ وَأَى غِنًى أَعَزُّ مِنْ الْقَنَاعَهْ فَصَيِّرْهَا لِنَفْسِك رَأْسَ مَالٍ وَصَيِّرْ بَعْدَهَا التَّقْوَى بِضَاعَهْ تَحَرَّزْ حِينَ تَغْنَى عَنْ بِخَيْلٍ وَتَنَعَّمْ فِى الْجِنَانِ بِصَبْرِ سَاعَهْ
وَقَدْ رُوِى
عَنْ
النَّبِى
وقالَ اللهُ تَعَالَى ﴿يَا بَنِى آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِى سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الأعراف 26، فَمَعْنَى قَوْلِهِ ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ أَى خَلَقْنَا لَكُمْ مَاتَلْبَسُونَ مِنْ الثِّيَابِ ﴿يُوَارِى سَوْآتِكُمْ﴾ أَى يَسْتُرُ عَوْرَاتِكُمْ وَسُمِّيَتْ الْعَوْرَةُ سَوْأَة؛ لِأَنَّهُ يَسُوءُ صَاحِبَهَا انْكِشَافُهَا مِنْ جَسَدِهِ.
وَقَوْلُهُ
﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ فِيهِ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ لِبَاسَ
التَّقْوَى هُوَ الْإِيمَانُ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَالسُّدِّى،
وَالثَّانِى: أَنَّهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ
عَبَّاسٍ
وَقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِ مَاتَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِى سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أَى ذَلِكَ الَّذِى ذَكَرْتُهُ خَيْرٌ كُلُّهُ، وَالثَّانِى: أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى لِبَاسِ التَّقْوَى وَمَعْنَى ْالكَلَامِ، وَإِنَّ لِبَاسَ التَّقْوَى خَيْرٌ مِنْ الرِّيَاشِ وَاللِّبَاسِ وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَالسُّدِّىِّ.
يقول
الإمام
فخر الدين
وَمَنْ تَرَدَّى الْتُّقَى مَلْبَسُهُ وَلَا يُضَاهَى بِأَشْعَارٍ وَأَوْبَارِ (33/14) ويقول: أَنْعِمْ لِبَاسُ الْمُتَّقِيـ نَ وَبِئْسَ سِتْرُ يُسْلَبُ (4/16) وقيل فى قوله تعالى ﴿يَا بَنِى آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِى سَوْآتِكُمْ﴾ يعنى العلم ﴿وَرِيشًا﴾ يعنى اليقين ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ يعنى الحياء، يقول حاتم الأصم لتلميذه شقيق البلخى: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلى المال وإلى الحسب والشرف والنسب فنظرت فيها فإذا هى لا شىء، ثم نظرت إلى قول الله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات 13، فعملت فى التقوى حتى أكون عند الله كريماً. إن أكرم الكرم عند الله التقوى، وأنه من طلب العز بطاعة الله، رفعه الله وأعزه، ومن طلبه بمعصية الله أذله الله ووضعه.
ويقول النهرجورى: الدنيا بحر، والآخرة ساحل، والمركب التقوى، والناس سفْرَ. ويقول أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير: لا يجد العبد لذّة المعاملة مع الله مع لذة النفس، لأن أهل الحقائق قطعوا العلائق التى تقطعهم عن الحق، قبل أن تقطعهم العلائق. ويقول: إن ما بين العبد وبين الوجود أن تسكن التقوى قلبه، فإذا سكنت التقوى قلبه نزلت عليه بركات العلم، وزالت عنه رغبة الدنيا. عبد الستار الفقى
|
||
|
من أراد الاستزادة فى هذا الموضوع فليتتبع صفحات الصوفية فى موقع الطريقة البرهانية. أسرة التحرير |
||
|
|