كتب السلف

لما كنا نحتاج باستمرار إلى كتب السابقين الغير محرفة، ولما كثر التحريف بفعل قلة غير مسئولة تقوم بإصدار الكتب المحرفة وطرحها فى الأسواق أو عرضها فى الشبكة العالمية للمعلومات، وسواء كان ذلك يتم بحسن نية أو بغيرها، فقد ظهرت الحاجة إلى البحث عن المصادر الصحيحة فى هذه الشبكة لكتب الصالحين وعلوم السابقين، ونحن نرشح لكم المواقع الصديقة التى تتحرى الدقة فيما تعرضه من كتب حتى تجدوا ما تحتاجونه من كتب وعلوم السابقين التى حاول البعض أن يدثروها ويغطوا عليها، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المغرضون، وسنقوم باستعراض بعض الكتب التى أستشهد بها الإمام فخر الدين فى مؤلفاته ودروسه من هذه المواقع، وللمزيد عن تلك المواقع زوروا صفحة المكتبة من الموقع الرئيسى.

 

كتاب من المكتبة:

من كتب الأعلام:

المنهاج

 

هو شرح الإمام محيى الدين يحيى النووى المتوفى 767هـ، لصحيح مسلم للإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيرى النيسابورى المتوفى 261 هـ، وكان إماما جليلا مهابا، غيورا على السنة ذابا عنها، وصحيحه من أصح مصنفات الحديث، وقد حرص المصنف على التوسط بين الإطالة المملة والاختصار المخل لاستخراج دقائق العلوم من متونه وأسانيده، ولولا خوفه من ضعف الهمم لصنف شرحه فى مائة مجلد.

وهذه الطبعة قديمة غير محرفة.

 

رابط كتاب المنهاج فى موقع التراث

 

 

متن الإيضاح

 

كتاب "متن الإيضاح فى المناسك" للشيخ محى الدين يحيى النووى الشافعى، يقول السبكى: والإمام النووى أستاذ المتأخرين وحجة الله على اللاحقين، ولا يخفى على ذى بصيرة أن لله تبارك وتعالى عناية بالنووى ومصنفاته ختى أنه لا تخلو ترجمته عن الفوائد، وكتاب الإضاح يتحدث عن أحكام ومناسك الحج الذى هو الركن الخامس للدين وهو شعار الأنبياء والصالحين، كما يذكر مصححاته ومفسداته وواجباته وآدابه ومسنوناته وسوابقه ولواحقه وظواهره ودقائقه، وبيان الحرم ومكة والمسجد والكعبة ووتميزهم، ففيه كل ما يحناجه الطالب فلا يحتاج بعده لسؤال أحد، وقد حذف المصنف الأدلة إختصارا وإيضاحا حتى يفهمه العامى ولا يستغنى عنه الفقيه فينتفع به القاصر والنبيه، فجاء الكتاب فى 8 أبواب و3 فصول.

وقد التزم المحقق بالتحقيق والتخريج وشرح المعانى والأحداث.

 

رابط كتاب متن الإيضاح فى موقع التراث

 

 

أسرة التحرير

 

ملحوظة: لتحميل كتاب من موقع التراث؛ يتم تنزيل جميع الملفات المضغوطة (rar files) الخاصة بالكتاب ثم توضع معا فى نفس الفولدر ولا يتم تغيير أسمائها أبدا ثم بفتح أى ملف منها وعندها يمكن أن تجد الكتاب والذى يكون أما ملف واحد أو عدة ملفات من طراز (pdf) فيتم نقلها إلى خارج الملف المضغوط فى فولدر واحد أيضا ولا يتم تغيير أسمائها أبدا ثم تفتح باستعمال برنامج قراءة الأكروبات

 

 

 

أماجد العلماء

الحمد لله الذى اختص العلماء بوراثه الانبياء والتخلق باخلاقهم وجعلهم القدوه للكافه، فقد ضل كثير من الناس وابتعدوا عن هدى الحبيب عندما تركوا الاخذ عن اكابر علماء هذه الامه وادمنوا الاخذ من الاصاغر ففارقوا ما كان عليه سلفهم الصالح وما استقرت عليه أمة المسلمين عقودا وقرونا.

قال : (لازال الناس بخير ما اخذوا العلم عن اكابرهم، فاذا اخذوا العلم عن اصاغرهم هلكوا)، وقال : (ان هذا الدين علم، فانظروا عمن تاخذون)، وقال : (اذا قبض العلماء اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا واضلوا، ولا حول ولا قوه الا بالله).

ويقول السيد فخر الدين الشيخ محمد عثمان عبد البرهانى :

ولإن سُئلتم ما الكتاب فانه     مما رواه أماجد الأعلام

 والمجمع عليه عند الساده العلماء ان الواحد منهم لا ينتقص كلام سيدنا رسول الله  ولا يحكم بوضعه ولا يضعفه ولايقدح فيه الا اذا كان فى يده سند من آيات كتاب الله او سنه نبيه عليه افضل الصلاه وازكى السلام, ومنذ بدايه القرن الاول الهجرى والثانى والثالث والرابع وحتى يومنا هذا تولى ساداتنا من اماجد العلماء رضوان الله عليهم الحفاظ على تراث ديننا الحنيف كما احب واراد فكانت الاحاديث الصحيحة والتفاسير الصادقه واحداث التاريخ من بدايه الرساله المحمديه مع تسلسلها التاريخى إلى يومنا هذا محفوظه ومسنده بكل امانه وصدق، ومن هؤلاء الساده العلماء الاجلاء ومع سيرته الطيبه كان:

 

الامام النووى

 

هو شيخ الاسلام وعمده الفقهاء والمحدثين الزاهد الورع والقدوة وصاحب الخصال الحميدة والتصانيف المفيدة والمجمع على فضله واخلاصه وجلالته الحافظ الامام النووى.

كان أسمر اللون، كث اللحية، مهيبا، قليل الضحك، جادا، يقول الحق ولو كان مرا، لا يخاف فى الله لومه لائم، كان خشن العيش لا يأكل فى اليوم والليله الا أكلة واحدة، ولا يشرب الا مرة واحدة فى السحر، كان قوته من قبل والده، لم يتزوج قط لزهده فى متاع الدنيا، عاصر الامام النووى القرنين السابع والثامن الهجرى وهو آخر عصر للدوله الايوبية وهذه الفترة كانت تمتاز بالاستقرار والهدوء ومن أزهى العصور فقد حفلت بكثير من العلماء النجباء المتمكنين.

 نسبه:

ولد بقريه نوى فى حوران بجوار دمشق، وعادة ما ينسب الناس الى بلدهم ليعرفوا به، ولكن نسب الامام النووى على العكس، فقد عرفت بلده وصارت معروفة بذكراه الطيبة، وقد انشد أبا فحص بن الوردى يقول فى نوى:

لقيت خيرا يا نوى         وحرست من ألم النوى

فلقد نشأ بك زاهدا     فى العلم أخلص ما نوى

فهو أبو زكريا محى الدين بن ابى يحى شرف بن مرى بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعه بن حزام النووى، وكان يكره أن يلقبه أحد بمحى الدين تواضعا لله تعالى، فكان يقول ان الدين حى ثابت غير محتاج لأحد يحييه.

مولده ونشأته:

ولد النووى فى قرية نوى فى حوران بسوريا من أبوين صالحين، فى محرم سنة 631 هـ. ونشأ النووى فى كنف أبيه ورعايته، ومنذ طفولته وصباه كان مهيأ لحمل الوراثة النبوية فى العلم والورع والصلاح، فلما بلغ العاشرة من عمره بدأ فى حفظ القرآن وقراءة الفقه على بعض أهل العلم هناك، وقد ختم القرآن وهو دون الحلم، وفى سنة 641 هـ صادف أن مر بتلك القرية ياسين بن يوسف المراكشى، والمشهود والمشهور بولايته، فرأى الصبيان يكرهونه على اللعب وهو يهرب منهم ويبكى لإكراههم ويقرأ القرآن فذهب الشيخ إلى والد النووى ونصحه أن يفرغه لطلب العلم، فاستجاب له. ويقول الشيخ لقد وقعت محبته فى قلبى فذهبت الى والده وقصصت عليه ماحدث ونصحته بالاهتمام بولده ورعايته علميا وأنا ارجوا ان يكون عالم زمانه. وقد كان، ومكث النووى حتى الثامنة عشر من عمره فى قريته.

فى سنة 649هـ قدم مع أبيه إلى دمشق لاستكمال طلب العلم فى دار الحديث الأشرفية وسكن المدرسة الرواحية وهى ملاصقة للمسجد الأموى من جهة الشرق، فحفظ المطولات وقرأ المجلدات، ونبغ فى العلم حتى غدا معيداً لدرس شيخه الكمال إسحاق بن أحمد المغربى. حج مع أبيه عام 651هـ. يقول الإمام النووى: حججت بيت الله مع والدى بعد سنتين فى العشرين من عمرى، وأقمت فى مدينة رسول الله شهرا ونصف. وبعد انتهاء مناسك الحج عاد الى دمشق وأول ما قصده الجامع الكبير وقابل امام وخطيب الجامع، الشيخ جمال الدين الدمشقى، فلما عرف طلبه ومقصده ذهب به الى حلقة مفتى الشام، الشيخ تاج الدين الفزارى، فقرأ عليه الدروس ولازمه، وفى هذه الفترة صب الله عليه العلم صبا، واستقر الامام فى المدرسة الروحية وأقبل على العلم  بكل ما يحتاج بقلبه وعقله بشغف وجد واستعداد فكان مضرب للمثل.

حياته العلميّة:

تميزت حياة النووى العلمية بعد وصوله إلى دمشق بثلاثة أمور:

الأول: الجدّ فى طلب العلم والتحصيل فى أول نشأته وفى شبابه، وقد كان جادّاً فى القراءة والحفظ، وقيل أنه حفظ كتاب "التنبيه" فى أربعة أشهر ونصف، وحفظ ربع العبادات من كتاب "المهذب" فى باقى السنة، واستطاع فى فترة وجيزة أن ينال إعجاب وحبّ أستاذه أبى إبراهيم إسحاق بن أحمد المغربي، فجعله معيد الدرس فى حلقته. ثم درَّس بدار الحديث الأشرفية، وغيرها.

الثاني: سعة علمه وثقافته، وقد جمع إلى جانب الجدّ فى الطلب غزارة العلم والثقافة المتعددة، وقد حدَّث تلميذه علاء الدين بن العطار عن فترة التحصيل والطلب، أنه كان يقرأ كل يوم اثتنى عشر درساً على المشايخ شرحاً وتصحيحاً، درسين فى كتاب الوسيط، وثالثاً فى كتاب المهذب، ودرساً فى الجمع بين الصحيحين، وخامساً فى صحيح مسلم، ودرساً فى كتاب اللمع لابن جنى فى النحو، ودرساً فى كتاب إصلاح المنطق لابن السكّيت فى اللغة، ودرساً فى الصرف، ودرساً فى أصول الفقه، وتارة فى اللمع لأبى إسحاق، وتارة فى كتاب المنتخب للفخر الرازى، ودرساً فى أسماء الرجال، ودرساً فى أصول الدين، وكان يكتبُ جميعَ ما يتعلق بهذه الدروس من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط لغة.

الثالث: غزارة إنتاجه، حيث اعتنى بالتأليف وبدأه عام 660 هـ، وكان قد بلغ الثلاثين من عمره، وقد بارك الله له فى وقته وأعانه، فأذاب عُصارة فكره فى كتب ومؤلفات عظيمة ومدهشة، تلمسُ فيها سهولةُ العبارة، وسطوعَ الدليل، ووضوحَ الأفكار، والإِنصافَ فى عرض أراء الفقهاء، وما زالت مؤلفاته حتى الآن تحظى باهتمام كل مسلم، والانتفاع بها فى سائر البلاد.

يذكر الشيخ الإِسنوى تعليلاً لطيفاً ومعقولاً لغزارة إنتاجه فيقول "اعلم أن الشيخ محيى الدين رحمه الله لمّا تأهل للنظر والتحصيل، رأى فى المُسارعة إلى الخير؛ أن جعل ما يحصله ويقف عليه تصنيفاً، ينتفع به الناظر فيه، فجعل تصنيفه تحصيلاً، وتحصيله تصنيفاً، وهو غرض صحيح، وقصد جميل، ولولا ذلك لما تيسر له من التصانيف ما تيسر له".

شيوخه:

فى الفقه: تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزارى، إسحاق بن أحمد المغربى، الكمال أبو إبراهيم، محدّث المدرسة الرواحيّة، أبو محمد عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم بن موسى المقدسى الدمشقى، مفتى دمشق، سلاَّر بن الحسن الإِربلى الحلبى الدمشقى، إمام المذهب الشافعى فى عصره.

فى أصول الفقه: أشهرهم: أبو الفتح عمر بن بندار بن عمر بن على بن محمد التفليسى الشافعى.

فى النحو واللغة: الشيخ أبو العباس أحمد بن سالم المصرى النحوى اللغوى، الفخر المالكى، الشيخ أحمد بن سالم المصرى.

فى الحديث: إبراهيم بن عيسى المرادى الأندلسى المصرى ثم الدمشقى الإِمام الحافظ، زين الدين أبو البقاء خالد بن يوسف بن سعد النابلسى، الإِمام المفيد المحدّث الحافظ، عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصارى الحموى الشافعى شيخ الشيوخ، أبو الفرج عبد الرحمن بن أبى عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقدسى، من أئمة الحديث فى عصره، عماد الدين أبو الفضائل عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد الحرستانى، قاضى القضاة، وخطيب دمشق. أبو محمد تقى الدين إسماعيل بن أبى إسحاق إبراهيم بن أبى اليُسْر التنوخى، كبير المحدّثين ومسندهم، جمال الدين عبد الرحمن بن سالم بن يحيى الأنبارى الدمشقى الحنبلى، المفتى. الرضى بن البرهان، زين الدين أبو العباس بن عبد الدائم المقدسى، جمال الدين أبو زكريا يحيى بن أبى الفتح الصيرفى الحرّانى، أبو الفضل محمد بن محمد بن محمد البكرى الحافظ، الضياء بن تمام الحنفى، شمس الدين بن أبى عمرو، وغيرهم من هذه الطبقة.

مسموعاته:

سمع النسائى، وموطأ مالك، ومسند الشافعى، ومسند أحمد بن حنبل، والدارمى، وأبى عوانة الإِسفرايينى، وأبى يعلى الموصلى، وسنن ابن ماجة، والدارقطنى، والبيهقى، وشرح السنّة للبغوى، ومعالم التنزيل للبغوى فى التفسير، وكتاب الأنساب للزبير بن بكار، والخطب النباتية، ورسالة القشيرى فى التصوف، وعمل اليوم والليلة لابن السنى، وكتاب آداب السامع والراوى للخطيب البغدادى، وأجزاء كثيرة غير ذلك.

تلاميذه:

علاء الدين بن العطار، شمس الدين بن النقيب، شمس الدين بن جَعْوان، شمس الدين بن القمَّاح، الحافظ جمال الدين المزى، قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة، رشيد الدين الحنفى، أبو العباس أحمد بن فَرْح الإِشبيلى.

أخلاقُه وصفاتُه:

أجمعَ أصحاب كتب التراجم أن النووى كان رأساً فى الزهد، وقدوة فى الورع، وعديم النظير فى مناصحة الحكام والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ومن هذه الصفات:

الزهد:

تفرَّغَ الإِمام النووى من شهوة الطعام واللباس والزواج، ووجد فى لذّة العلم التعويض الكافى عن كل ذلك. والذى يلفت النظر أنه انتقل من بيئة بسيطة إلى دمشق حيث الخيرات والنعيم، وكان فى سن الشباب حيث قوة الغرائز، ومع ذلك فقد أعرض عن جميع المتع والشهوات وبالغ فى التقشف وشظف العيش. ويُروى أنه سُئلَ: لِمَ لمْ تتزوَّج؟ فقال: "نَسيتُ"؛ وذلك لاشتغاله العظيم بتحصيل العلم ونشره. وكان يبكى فى الليل وينشد ويقول:

لان كان هذا الدمع يجرى صبابه      على غير ليلى فهو دمع مضيع

الورع:

وفى حياته أمثلة كثيرة تدلُّ على ورع شديد، منها أنه كان لا يأكل من فواكه دمشق، ولما سُئل عن سبب ذلك قال "إنها كثيرة الأوقاف، والأملاك لمن تحت الحجر شرعاً، ولا يجوز التصرّف فى ذلك إلا على وجه الغبطة والمصلحة، والمعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها اختلاف بـين العلماء. ومـن جوَّزَها قال: بشـرط المصلحة والغبطة لليتيم والمحجور عليه، والناس لا يفعلونها إلا على جـزء من ألف جزء من الثمرة للمالك، فكيف تطيب نفسى؟". واختار النزول فى المدرسة الرواحيّة على غيرها من المدارس لأنها كانت من بناء بعض التجّار. وكان لدار الحديث راتب كبير فما أخذ منه فلساً، بل كان يجمعُها عند ناظر المدرسة، وكلما صار له حق سنة اشترى به ملكاً ووقفه على دار الحديث، أو اشترى كتباً فوقفها على خزانة المدرسة، ولم يأخذ من غيرها شيئاً. وكان لا يقبل من أحد هديةً ولا عطيّةً إلا إذا كانت به حاجة إلى شيء وجاءه ممّن تحقق دينه. وكان لا يقبل إلا من والديه وأقاربه، فكانت أُمُّه ترسل إليه القميص ونحوه ليلبسه، وكان أبوه يُرسل إليه ما يأكله، وكان ينام فى غرفته التى سكن فيها يوم نزل دمشق فى المدرسة الرواحية، ولم يكن يبتغى وراء ذلك شيئاً.

مناصحَته الحكّام:

لقد توفرت فى النووى صفات العالم الناصح الذى يُجاهد فى سبيل الله بلسانه، ويقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فهو مخلصٌ فى مناصحته وليس له أى غرض خاص أو مصلحة شخصية، وشجاعٌ لا يخشى فى الله لومة لائم، وكان يملك البيان والحجة لتأييد دعواه. وكان الناسُ يرجعون إليه فى الملمّات والخطوب ويستفتونه، فكان يُقبل عليهم ويسعى لحلّ مشكلاتهم، كما فى قضية الحوطة على بساتين الشام:

"لما ورد دمشقَ من مصرَ السلطانُ الملكُ الظاهر بيبرس بعد قتال التتار وإجلائهم عن البلاد، زعم له وكيل بيت المال أن كثيراً مــن بساتين الشام من أملاك الدولة، فأمـر الملك بالحوطة عليها، أى بحجزها وتكليف واضعى اليد على شيئٍ منـها اثبـات ملكيـته وإبراز وثائقه، فلجأ الناس إلى الشيـخ فى دار الحديـث، فكتـب إلى الملك كتاباً جاء فيه "وقد لحق المسلمين بسـبب هذه الحوطـة على أملاكهم أنواعٌ من الضرر لا يمكن التعبير عنها، وطُلب منهم إثباتٌ لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحلّ عند أحد من علماء المسلمين، بل مَن فى يده شيئ فهو ملكه لا يحلّ الاعتراض عليه ولايُكلَّفُ إثباته" فغضب السلطان مـن هذه الجرأة عليه وأمر بقطع رواتبه وعزله عن مناصبه، فقالوا له: إنه ليس للشيخ راتب وليس له منصب. ولما رأى الشيخ أن الكتاب لم يفِدْ، مشى بنفسه إليه وقابله وكلَّمه كلاماً شديداً، وأراد السلطان أن يبطشَ به فصرف الله قلبَه عن ذلك وحمى الشيخَ منه، وأبطلَ السلطانُ أمرَ الحوطة وخلَّصَ الله الناس من شرّها".

تستند هذه القضية التى كررها السلطان سليم إلى أن هذه الأراضى كانت أصلا أراضى خراج ملك لبيت مال المسلمين بقيت فى أيدى العاملين عليها يتوارثونها ويدفعون خراجها... ولما أسلم هؤلاء اجتمع عليهم الخراج والزكاة فأرهقهم فرفعت عنهم الدولة الأموية الخراج وبالتدريج أصبحت الأراضى ملكهم تقادما وقد فشل بيبرس فى انتزاع هذه الأراضى ولكن السلطان سليم الأول ضمها إلى بيت المال وأقطع أجزاء منها إلى مؤيدى الدولة العثمانية وما تزال هذه الأراضى تعرف بأملاك السلطان سليم أو أراضى أميرية وتنتقل إلى الورثة تشاركا وليس وراثة.

العلوم التى برع فيها الامام النووى:

اولا: علم الفقه:

وكان له رأى فيه، فليس مفهوم الفقه عند النووى التعصب المذهبى وانما الفهم والقدره على استنباط الاحكام الفرعية من النصوص الشرعية، فكان الفقه عنده وسيلة للتقرب الى الله بعلم ينفع به نفسه وينفع عباد الله.

وقد أخذ الامام النووى فقه الشافعية على كبار علماء عصره فى فترة وجيزة فقد حفظ الفقه واتقنه وعرف قواعد اصوله وفهم مخبآته والغازه وبرع فى معرفة ادلته ولم يمضى وقت طويل حتى كان عالم عصره فى حفظ المذهب واتقانه لاقول علمائه. وقيل أنه نوزع مره فى نقل "الوسيط"، فقال: ينازعونى فى الوسيط وقد قرأته أربعمائه مرة!

وقد بلغ فى قدرته فى الفقه وتحقيقه فى عصره ما بلغه الامام الرافعى من قبله، وقد انتقده احد علماء القرن الثامن الهجرى، وهو الشيخ محمد بن على بن عبد الواحد، حيث انتقد تقليد الناس لهذين الامامين، فقال: الناس اليوم رافعية لا شافعية ونووية وليس نبوية.

ثانيا: علم الحديث:

لم يكن النوواى بحبيس علم الحديث فى نطاق نوافل المحدثين من الاسناد العالى وجمع الطرق والروايات والتفرد بذلك، ويقول تلميذه  الشيخ بن العطار: كان حافظا لأحاديث رسول الله وكان عالم من صحيحها وسقيمها وغريب ألفاظها وصحيح معانيها، وكان همه فى الحديث هو المعرفة ثم الانصراف فى فقهها والغوص فى معانيها.

مؤلفاته:

ترك الامام النووى من المؤلفات ما يربو على الخمسين مؤلف، وقيل أنهكان يكتب فى اليوم الواحد كراستين، وليس كل ما كتبه وصلنا فقد حكى عنه تلميذه ابن العطار أنه أمره ببيع نحو ألف كراسة كان قد كتبها بخطه بعد أن يقف على غسلها فى الوراقة، وخوفه إن خالف أمره جعله ينفذه، قال: فما أمكننى إلا طاعته وإلى الآن فى قلبى حسرات، وحكى عنه: انه كان يكتب حتى تكل يده فتعجز فيضع القلم. وحكى عن الشيخ بدر بن جماعة: انه سأله عن نومه فقال اذا غلبنى النوم استندت الى كتابى لحظة ثم انتبه.

وقد كتب وألف الامام النووى فى علوم شتى، فى الفقه والحديث، وشرح الحديث، والمصطلح، واللغة، والتراجم، والتوحيد وغيرها من العلوم، وقد امتازت مؤلفاته بالوضوح وصحة التعبير، وانسيابه بسهوله وعدم تكلف، وقال الامام الذهبى ان عباراته اسهل من كلامه. وكل ذلك فى زمن يسير وعمر قصير.

ففى علوم الحديث: شرح صحيح مسلم بن الحجاج كبرى مؤلفاته. شرح سنن أبى داود. شرح صحيح البخارى جزء بسيط منه. مختصر سنن الترمذي. خلاصة الأحكام من مهمات السنن وقواعد الإسلام. حلية الأبرار وشعار الأخيار فى تلخيص الدعوات والأذكار المستحبة فى الليل والنهار الشهير بالأذكار ثالث أشهر مؤلفاته. رياض الصالحين. الأربعون النووية. الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار. التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير. وفى مصطلح الحديث: إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة الحق من هدى خير الخلائق. ما تمس إليه حاجة القارى لصحيح البخارى.

وفى الفقه: الفقه الشافعى. منهاج الطالبين وعمدة المفتين. روضة الطالبين وعمدة المفتين. متن الإيضاح فى المناسك. آداب الفتوى والمفتى والمستفتى. وفى الفقه المقارن: المجموع شرح المهذب ثانى أشهر مؤلفاته أكمله السبكى والمطيعى. وفى علوم القرآن: التبيان فى آداب حملة القرآن.

وفى موضوعات أخرى: تهذيب الأسماء واللغات، فى التراجم والسير. طبقات الفقهاء، فى التراجم والسير. تحرير التنبيه، فى اللغة. الترخيص بالقيام لذوى الفضل والمزية من أهل الإسلام. طبقات الشفاية. بستان العارفين. ورد من الأذكار، سمى باسم ورد النووى.

وفاته:

فى سنة 676 هـ رجع النووى إلى نوى بعد أن ردّ الكتب المستعارة من الأوقاف، وزار مقبرة شيوخه، فدعا لهم وبكى، وزار أصحابه الأحياء وودّعهم، وبعد أن زار والده زار بيت المقدس والخليل، وعاد إلى نوى فمرض بها وتوفى فى 24 رجب. ولما بلغ نعيه إلى دمشق ارتجّت هى وما حولها بالبكاء، وتأسف عليه المسلمون أسفاً شديداً، وتوجّه قاضى القضاة عز الدين محمد بن الصائغ وجماعة من أصحابه إلى نوى للصلاة عليه فى قبره.

ع. صلاح